من يدحرج لنا الحجر؟
كانت المريمات ذاهبات لقبر الرب المخلص صبيحة اليوم الثالث وفي بالهن يدور تساؤل حقيقي لمعرفتهم بالواقع حيث وُضع حجر كبير على باب القبر، والتساؤل مفاده: من يدحرج لنا الحجر؟ لكي يتممن عملهن خاصة وهن كن قد حملن معهن الطيب والبخور كما كانت العادة عندهم، لكن بكل تأكيد إن فكر الله لا يتوافق مع فكرنا نحن البشر، ويحدث ما لا نستطيع تخمينه لأن: "زلزلة عظيمة حدثت. لان ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه"(متى 2:28)، هذا كان الجواب للمريمات وهن ذاهبات كما جرت العادة عندهم لتطييب جسد يسوع الرب الذي كان قد صُلب وقد أُنزل جسده المتوفي ووُضع في قبره، لكن المصلوب لم يعد هناك، فقد أخبرهن الملاك متسائلا عن سبب بحثهم عن الحي بين الأموات!!؟ فالقبر فارغ والجند الذين وضعتهم السلطات وحسب توصية الكتبة والفريسيين لم يعودوا هناك فقد هربوا فزعين ولا يوجد داخل القبر سوى الاكفان التي تم ترتيبها بعناية ووضعت جانبا؛ تلك التي لُفَّ بها جسد المخلص قبل ثلاثة أيام.
ليست الغاية اليوم فيما نكتبه ونحن في زمن القيامة، وصف أو سرد ما حصل، بقدر ما أود استعارة المشهد كي أطبقه على واقع الحال لحياتنا اليوم، فكم من المواقف والأحداث التي نعيشها ونعتبرها في قرارة أنفسنا أنها كالحجر الكبير موضوعا كالحاجز وعائقا في طريقنا يجعلنا نشعر باليأس والحيرة كوننا لا نستطيع زحزحته كي نصل لحلٍ مناسب للمشكلة، سواء كانت ما بين الزوج وزوجته الأمر الذي قد يوصل حياتهما المشتركة حد الافتراق، وترك كل طرف للطرف الآخر رغم أعلانهم الصريح والواضح بعد أن يقفوا أمام الكاهن الذي يبارك الاكليل مانحا سر الزواج المقدس، مبينا أهميته وموضحا مسؤولية كل طرف تجاه الطرف الآخر حيث لا يستمر الكاهن بإتمام المراسيم إذا لا يسمع من كلا الطرفين كلمة (نعم) وبوضوح.
لكن الحجر الذي يبدأ بالتأسيس فيما بين الطرفين وقد يعمل كليهما دون علم منهم على جعله كبيرا بمرور الوقت حتى يصلون إلى اليوم الذي لا يستطيعون زحزحته ويعلنون عجزهم التام ليسارعوا الخطى نحو الكنيسة كي تحلهم من العهد الذي تم بينهم باحثين عن التحرر... لكن وفي ظل هذه المعطيات تكون خيارات الكنيسة محدودة جدا في المساعدة التي ينتظرونها منها، خصوصا في ظل عدم تعاون الطرفين وبقائهم على عنادهم، وكم حالة وصلت إلى الطريق المسدود، لكن من ينظر إليها من زاوية محايدة يجدها مشكلة تافهة خصوصا في بعض الأحيان عندما يكون الطرفين لم يعيشا معا للفترة المفترض أن يكتشف الواحد الآخر من خلالها؛ كأن يعيشا لعدة أشهر أو بعض من السنوات، وهذا بطبيعة الحال ينطبق عليه مثل الزرع "وكل من يسمع اقوالي هذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل. فنزل المطر وجاءت الانهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط.وكان سقوطه عظيما" (متى 26:7-27).
فلماذا يُبنى بيت كهذا بأسس مهلهلة .. ضعيفة .. ومن المفترض من يقدم على بناء البيت يجب أن يعمل ليكون بناءه قويا ويعمل كل ما باستطاعته ليجعله سعيدا ويعد لبنائه بأتقان خصوصا وأن الغاية هي مقدسة كونه يتجه نحو تأسيس عائلة على غرار عائلة بيت لحم أو الناصرة التي كانت بحق عائلة مقدسة كيف لا وأن أطرافها المثلثة ترتكز على مار يوسف ... مريم العذراء .. يسوع الإله الرب، إذا كل عائلة يتم إنشاؤها تحت السر المقدس (سر الزواج) يجب أولا ان تنشد ذات القداسة كهدف أول وهدف سامٍ، ويجب أن لا يهز هذا الهدف رياح: المرض أو الفقر أو الجوع أو أية أمراض إجتماعية نعيشها اليوم سواء في الوطن الأم أو في دول المهجر، حيث يكون واقع الحال وجود قوانين تنظم للحرية المطلقة للإنسان وعدم اعترافه بتسلط طرف على آخر كما يخبرنا القديس بولس: "ايها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب. لان الرجل هو راس المراة كما ان المسيح ايضا راس الكنيسة.وهو مخلص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. ايها الرجال احبوا نساءكم كما احب المسيح ايضا الكنيسة واسلم نفسه لاجلها" (أفسس 5: 22-25).
وربما في دول المهجر عندما يتم الاستماع لهذه الرسالة قد يقول البعض في داخله إن هذا الأمر كان في زمن الرسول بولس وليس في زماننا، لأننا اليوم متساويان ولا يتفوق الواحد على الأخر، لكن الكنيسة تقول أيضا بأنهما ليسا إثنان بل يصبحان واحدا، أي ان الكنيسة تقرّ بتكافؤهما معا لكن لكل وسيلة يجب أن يكون هناك قيادة كي تصل الوسيلة إلى بر الامان في رحلتها ومن هذا تقول الكنيسة أن ربان سفينة الزواج هو الرجل وعليه أن يحب زوجته كحب المسيح للكنيسة يعني حتى لأن يضحي بنفسه من أجلها، وما أعظم هذا الحب لو تحلى به كل طرف من المعادلة الزوجية، لأنه وحده الكفيل بإبحار سفينة العائلة نحو إنجاب البنين وتربيتهم تربية مسيحية لأن ذلك اعظم من وجود أرصدة مستقلة في البنوك لكل طرف، لأن المال هو سيد هذا العالم الذي يلهث نحوه الكثيرين وهو سبب خراب الكثير من البيوت، كما ان تشبث كل طرف بما كان عليه وقت كان في بيت أبيه، وخصوصا عند أختلاف ذلك عند الطرف الآخر ورغبة كل منهما عدم تغيير ذلك الحال نحو واقع جديد لبيت جديد، يقود نحو تفتت العائلة الحديثة كما حصل لأحدهم وكان السبب عدم رغبة أحد الطرفين كثرة السهرات لدى بيت أب الطرف الثاني وتمسك كل طرف بموقفه الذي أوصل كليهما إلى بناء حجر كبير فيما بينهما، ولكن الملاك لا ينزل دائما كي يحدث زلزلة ويدحرج الحجر فكان أن بقي الحجر جاثما على صدر الطرفين وكلاهما مازال في قرارة نفسه يكرر: من يدحرج لنا الحجر؟
عبدالله النوفلي